أبو حامد الغزالي
135
تهافت الفلاسفة
اللّه عليهم - فلا جرم اضطروا إلى الاعتراف بأن لباب معقولاتهم رجع إلى ما لو حكى في منام لتعجب منه الجواب الثاني : هو أن من ذهب إلى أن الأول لا يعقل إلا نفسه ، إنما حاذر من لزم الكثرة ، إذ لو قال به للزم أن يقال : عقله غيره ، غير عقله نفسه ! وهذا لازم في المعلول الأول ، فينبغي أن لا يعقل إلا نفسه ، لأنه لو عقل الأول أو غيره ، لكان التعقل غير ذاته ، ولافتقر إلى علة غير علة ذاته ، ولا علة إلا علة ذاته وهو المبدأ الأول ! فينبغي أن لا يعلم إلا ذاته ، وتبطل الكثرة التي نشأت من هذا الوجه . فإن قيل : لما وجد ، وعقل ذاته ! لزمه أن يعقل المبدأ الأول . قلنا : لزمه ذلك بعلة أو بغير علة ؟ ! ، فإن كان بعلة ، فلا علة إلا المبدأ الأول ، وهو واحد فلا يتصور أن يصدر منه إلا واحد ، وقد صدر ، وهو ذات المعلول ، فالثاني كيف يصدر منه ؟ ! ! وإن لزم بغبر علة ، فليلزم من وجود الأول موجودات كثيرة بلا علة ، ولا يلزم منها الكثرة ! فإن لم يعقل هذا من حيث إن واجب الوجود لا يكون إلا واحدا ، والزائد على الواحد ممكن ، والممكن يفتقر إلى علة . فهذا اللازم في حق المعلول ، وإن كان واجب الوجود بذاته ، فقد بطل قولهم : واجب الوجود واحد ، وإن كان ممكنا فلا بد له من علة ، ولا علة له ، فلا يعقل وجوده . وليس هو من ضرورة المعلول الأول ، لكونه ممكن الوجود ، فإن امكان الوجود ضروري في كل معلول ، أما كون المعلول عالما بالعلة ، ليس ضروريا في وجود ذاته ، ( ف ) كما أن كون العلة عالمة بالمعلول ، ليس ضروريا في وجود ذاته ، بل لزوم العلم بالمعلول ، أظهر من لزوم العلم بالعلة . فبان أن الكثرة الحاصلة من علمه بالمبدأ محال ، فإنه لا مبدأ له وليس هو من ضرورة وجود ذات المعلول ، وهذا أيضا لا مخرج منه . الاعتراض الثالث : هو أن عقل المعلول الأول ذات نفسه عين ذاته أو غيره ؟ ! فإن كان عينه فهو محال ، لأن العلم غير المعلوم ، وإن كان غيره